ابن كثير

361

البداية والنهاية

( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق : 18 ] قال : فاللفظ كلام الآدميين . وروى غيرهما عن أحمد أنه قال : القرآن كيف ما تصرف فيه غير مخلوق ، وأما أفعالنا فهي مخلوقة . قلت : وقد قرر البخاري في هذا المعنى في أفعال العباد وذكره أيضا في الصحيح ، واستدل بقوله عليه السلام : " زينوا القرآن بأصواتكم ) ( 1 ) . ولهذا قال غير واحد من الأئمة : الكلام كلام الباري ، والصوت صوت القاري . وقد قرر البيهقي ذلك أيضا . وروى البيهقي من طريق إسماعيل بن محمد بن إسماعيل السلمي عن أحمد أنه قال : من قال : القرآن محدث فهو كافر . ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) [ الأنبياء : 2 ] . قال : يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث ، لا الذكر نفسه هو المحدث . وعن حنبل عن أحمد أنه قال : يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن ، وهو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وعظه إياهم . ثم ذكر البيهقي كلام الإمام أحمد في رؤية الله في الدار الآخرة ، واحتج بحديث صهيب في الرؤية وهي زيادة ، وكلامه في نفي التشبيه وترك الخوض في الكلام والتمسك بما ورد في الكتاب والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه . وروى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى : ( وجاء ربك ) [ الفجر : 22 ] أنه جاء ثوابه . ثم قال البيهقي : وهذا إسناد لا غبار عليه . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا عاصم ، عن زر ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيئا فهو عند الله سئ . وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر رضي الله عنه إسناد صحيح . قلت : وهذا الأثر فيه حكاية إجماع عن الصحابة في تقديم الصديق . والامر كما قاله ابن مسعود ، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة . وقد قال أحمد حين اجتاز بحمص وقد حمل إلى المأمون في زمن المحنة ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي فقال له : ما تقول في الخلافة ؟ فقال : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، ومن قدم عليا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى لأنهم قدموا عثمان رضي الله عنه . ورعه وتقشفه وزهده رحمه الله روى البيهقي من طريق المزني عن الشافعي أنه قال للرشيد : إن اليمن يحتاج إلى قاض ، فقال له : اختر رجلا نوله إياها . فقال الشافعي لأحمد بن حنبل وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه : ألا تقبل قضاء اليمن ؟ فامتنع من ذلك امتناعا شديدا وقال للشافعي : إني إنما أختلف إليك لأجل العلم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب ( 53 ) وأبو داود في الوتر باب ( 20 ) وابن ماجة في الإقامة باب ( 176 ) والدارمي في فضائل القرآن ( 34 ) والإمام أحمد في المسند 4 / 283 ، 285 ، 296 ، 304 .